ابن بطوطة

59

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

قرى فيها مشايخ وصالحون ، وبها البساتين والأنهار فنزلنا بقندوس على نهر ماء به زاوية لأحد شيوخ الفقراء من أهل مصر ، يسمّى بشير سيّاه ومعنى ذلك الأسد الأسود ، وأضافنا بها وإلي تلك الأرض ، وهو من أهل الموصل ، وسكناه ببستان عظيم هنالك ، وأقمنا بخارج هذه القرية نحو أربعين يوما لرعي الجمال والخيل ، وبها مراعي طيبة وأعشاب كثيرة ، والأمن بها شامل بسبب شدة أحكام الأمير بزنطيه « 140 » ، وقد قدمنا أن أحكام الترك في من سرق فرسا أن يعطي معه تسعة مثله ، فإن لم يجد ذلك أخذ فيها أولاده ، فإن لم يكن له أولاده ذبح ذبح الشاة ! والناس يتركون دوابّهم مهملة دون راع بعد أن يسم كلّ واحد دوابه في أفخاذها ، وكذلك فعلنا في هذه البلاد ! واتفق أن تفقدنا خيلنا بعد عشر من نزولنا بها ، ففقدنا منها ثلاثة أفراس ، ولما كان بعض نصف شهر جاءنا التتر بها إلى منزلنا ، خوفا على أنفسهم من الأحكام . وكنا نربط في كل ليلة إزاء أخبيتنا فرسين لما عسى أن يقع بالليل ، ففقدنا الفرسين ذات ليلة ، وسافرنا من هنالك ، وبعد اثنتين وعشرين ليلة جاءوا بهما إلينا في أثناء طريقنا . وكان أيضا من أسباب إقامتنا خوف الثلج ، فإن بأثناء الطريق جبلا يقال له هندوكوش « 141 » ومعناه قاتل الهنود ، لأنّ العبيد والجواري الذين يوتي بهم من بلاد الهند يموت هنالك الكثير منهم لشدّة البرد وكثرة الثلج ، وهو مسيرة يوم كامل ، وأقمنا حتى تمكّن دخول الحرّ « 142 » ، وقطعنا ذلك الجبل من آخر الليل وسلكنا به جميع نهارنا إلى الغروب ، وكنا نضع اللبود بين أيدي الجمال وتطأ عليها لئلا تغرق في الثلج ! ثم سافرنا إلى موضع يعرف بأندر « 143 » ، وكانت هنالك فيما تقدم مدينة عفى رسمها ،

--> ( 140 ) برنطية أو برنتيه لم نستطع - كما أسلفنا - أن نقف على ذكر له حتى في المصادر الأفغانية - حول عقوبة سرقة الخيول انظر الفصل 3 . ( 141 ) تعدّ سلسلة جبال ( هندوكش ) ( hindu kush ) بمنزلة العمود الفقري لافغانستان وأن الجبال التي تقع في الشمال والجنوب من أفغانستان هي فروع لهندوكش ، وورد في كتاب الابستاق اسم هذا الجبل بما يمكن ترجمته هكذا : « أعلى من طيران العقاب » ، وتبلغ قمته أكثر من 7000 متر ، ولقد أقام الرحالة المغربي في بغلان حوالي أربعين يوما حتى يساعد الطقس لعبور قمم هندوكوش ، « ويا ليت ابن بطوطة ، يقول خليلي : كان حيا اليوم ليرى كيف استطاع الانسان بعلمه اختراق هندوكوش في ساعة واحدة ! ! خليلي 62 . ( 142 ) هذه الإشارة التي نقلتنا إلى فصل الربيع لسنة 735 - 1335 أو ( 733 - 1333 ) تشهد بأن التنقلات كانت صعبة في خراسان . . . ( 143 ) أوردها ابن بطوطة هكذا ( اندر ) وهي ( اندراب ) مدينة صغيرة شمال هندوكوش ، وهي يقول خليلي - غير مدينة أندراب ( andarab ) التي تقع في أردبيل وغير اندرابه التي في مرو وشاهنجان ، وهي النقطة الأولى في شمال هندوكوش التي توقف فيها الإسكندر ، وكانت الفضّة التي تستخرج من مناجم تذوّب في أندراب . . . - خليلي : ابن بطوطة في أفغانستان ص 60 - 61 .